فصل: تفسير الآيات (108- 110):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: نظم الدرر في تناسب الآيات والسور (نسخة منقحة)



.تفسير الآيات (103- 107):

{وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (103) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104) إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (105) مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (107)}
ولما نقض شبهتهم هذه إشارة وعبارة بما فضحهم، نقض لهم شبهة أخرى بأوضح من ذلك وأفضح فقال تعالى: {ولقد نعلم} أي علماً مستمراً {أنهم يقولون} أي أيضاً قولاً متكرراً لا يزالون يلهجون به {إنما يعلمه بشر} وهم يعلمون أن ذلك سفساف من القول؛ ثم استأنف الرد عليهم فقال تعالى: {لسان} أي لغة وكلام {الذين يلحدون} أي يميلون أو يشيرون {إليه} بإن علمه إياه، مائلين عن القصد جائرين عادلين عن الحق ظالمين {أعجمي} أي غير لغة العرب، وهو مع ذلك ألكن في النادية غير بين، وهو غلام كان نصرانياً لبعض قريش اختلف في اسمه، وهذا التركيب وضع في لسان العرب للإبهام والإخفاء، ومنه عجم الزبيب- لاستتاره، والعجماء: البهيمة- لأنها لا تقدر على أيضاح ما في نفسها، وأما أعجمت الكتاب فهو للإزالة. {وهذا} أي القرآن {لسان عربي مبين} أي هو من شدة بيانه مظهر لغيره أنه ذو بيان عظيم، فلو أن المعلم عربي للزمهم أن لا يعجزوا عن الإتيان بمثل ما علم، فكيف وهو أعجمي.
فلما بانت بهذا فضيحتهم، كان كأنه قيل: إن من العجب إقدامهم على مثل هذا العار وهم يدعون النزاهة؟ فأجاب بقوله تعالى: {إن الذين لا يؤمنون} أي يصدقون كل تصديق معترفين {بآيات الله} أي الذي له العظمة كلها {لا يهديهم الله} أي الملك الأعلى الذي له الغنى المطلق، بل يضلهم عن القصد، فلذلك يأتون بمثل هذه الخرافات فأبشر لمن بالغ في العناد، بسد باب الفهم والسداد.
ولما كان ربما توهم أنه لكونه هو المضل لا يتوجه اللوم عليهم نفى ذلك بقوله: {ولهم عذاب أليم} أي بذلك، لمباشرتهم له مع حجب المراد عنهم وخلق القدرة لهم، إجراء على عوائد بعض الخلق مع بعض.
ولما زيف شبههم، أثبت لهم ما قذفوه به وهو بريء منه مقصوراً عليهم، فقال تعالى: {إنما يفتري} أي يتعمد {الكذب الذين لا يؤمنون} أي لا يتجدد منهم الإيمان {بآيات الله} أي الذي له الكمال كله، فإن ردهم لما قام الدليل على أنه حق وعجزوا عنه تعمد منهم للكذب؛ ثم قصر الكذب عليهم فقال: {وأولئك} أي البعداء البغضاء {هم} أي خاصة {الكاذبون} أي العريقون في الكذب ظاهراً وباطناً.
ولما ذكر الذين لا يؤمنون مطلقاً، أتبعهم صنفاً منهم هم أشدهم كفراً فقال تعالى: {من} أي أي مخلوق وقع له أنه {كفر بالله} أي الذي له صفات الكمال، بأن قال أو عمل ما يدل على الكفر، ولما كان الكفر كله ضاراً وإن قصر زمنه، أثبت الجار فقال تعالى: {ومن بعد إيمانه} بالفعل أو بالقوة، لما قام على الإيمان من الأدلة التي أوصلته إلى حد لا يلبس فصار استكباره عن الإيمان ارتداداً عنه وجوب الشرط دل ما قبله وما بعده على أنه: فهو الكاذب، أو فعليه غضب من الله {إلا من أكره} أي وقع إكراهه على قول كلمة الكفر {وقلبه} أي والحال أن قلبه {مطمئن بالإيمان} فلا شيء عليه، وأجمعوا- مع إباحة ذلك له- أنه لا يجب عليه التكلم بالكفر، بل إن ثبت كان ذلك أرفع درجة، والآية نزلت في عمار بن ياسر رضي الله عنه أكرهوه فتابعهم وهو كاره، فأخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأنه كفر، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «كلا! إن عماراً ملئ إيماناً من قرنه إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبكي، فجعل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يمسح عينيه ويقول: إن عادوا فعد لهم بمثل ما قلت» {ولكن من شرح} أي فتح فتحاً صار يرشح به {بالكفر صدراً} أي منه أو من غيره بالتسبب فيه لأن حقيقة الإيمان والكفر يتعلق بالقلب دون اللسان، وإنما اللسان معبر وترجمان معرف بما في القلب لتوقع الأحكام الظاهرة {فعليهم} لرضاهم به {غضب} أي غضب؛ ثم بين جهة عظمه بكونه {من الله} أي الملك الأعظم {ولهم} أي بظواهرهم وبواطنهم {عذاب عظيم} لارتدادهم على أعقابهم.
ولما كان من يرجع إلى الظلمات بعد خروجه منها إلى النور جديراً بالتعجب منه، كان كأنه قيل: لم يفعلون، أو لم يفعل بهم ذلك؟ فقال تعالى: {ذلك} الارتداد أو الوعيد العظيم {بأنهم} أي بسبب أنهم {استحبوا} أي أحبوا حباً عظيماً {الحياة الدنيا} أي الدنيئة الحاضرة الفانية، فآثروها {على الآخرة} الباقية الفاخرة لأنهم رأوا ما فيه المؤمن من الضيق والكافر من السعة {و} بسبب {أن الله} أي الملك الذي له الغنى الأكبر {لا يهدي القوم الكافرين} الذين علم استمرارهم عليه، بل يخذلهم ويسلط الشيطان عليهم يحتالهم عن دينهم.

.تفسير الآيات (108- 110):

{أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (108) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (109) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (110)}
ولما كان استمرارهم على الكفر أعجب من ارتدادهم، أتبعه سببه فقال تعالى: {أولئك} أي البعداء البغضاء {الذين طبع} أي ختم ختماً هو كفيل بالعطب {الله} أي الملك الذي لا أمر لأحد معه {على قلوبهم} ولما كان التفاوت في السمع نادراً، وحده فقال تعالى: {وسمعهم وأبصارهم} فصاروا- لعدم انتفاعهم بهذه المشاعر- كأنهم لا يفهمون ولا يسمعون ولا يبصرون {وأولئك} أي الأباعد من كل خير {هم الغافلون} أي الكاملو الغفلة؛ ثم أتبع ذلك جزاءهم عليه فقال تعالى: {لا جرم} أي لا شك {أنهم في الآخرة هم} أي خاصة {الخاسرون} أي أكمل خسارة لأنهم خسروا رأس المال وهو نفوسهم، فلم يكن لهم مرجع يرجعون إليه.
ولما قدم الفاتن والمفتون، أتبع ذلك ذكر حكمهما على القراءتين فقال تعالى: بحرف التراخي إشارة إلى تقاصر رتبتهما عن رتبة من لم يفعل ذلك: {ثم إن ربك} أي المحسن إليك بالعفو عن أمتك وتخفيف الآصار عنهم في قبول توبة من ارتد بلسانه أو قلبه {للذين هاجروا} أهل الكفر بالنزوح من بلادهم توبة إلى الله تعالى مما كانوا فيه.
ولما كان سبحانه يقبل اليسير من العمل في أي وقت كان، أشار إلى ذلك بالجار فقال تعالى مبيناً أن الفتنة بالأذى- وإن كان بالغاً- غير قادحة في الهجرة وما تبعها، فيفيد ذلك في الهجرة بدونها من باب الأولى {من بعد ما فتنوا} بالبناء للمجهول- على قراءة الجماعة، لأن المضر هو الفتنة مطلقاً، وللفاعل على قراءة ابن عامر، أي ظلموا بأن فتنوا من آمن بالله حين كانوا كفاراً، أو أعطوا الفتنة من أنفسهم ففتنوها بأن أطاعوا في كلمة الكفر، أو في الرجوع مع من ردهم إلى بلاد الكفر بعد الهجرة من بعد إيمانهم {ثم جاهدوا} أي أوقعوا جهاد الكفار مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم توبة إلى الله تعالى {وصبروا} على ذلك إلى أن ماتوا عليه {إن ربك} أي المحسن إليك بتسخير من هذه صفاتهم لك.
ولما كان له سبحانه أن يغفر الذنوب كلها ما عدا الشرك، وأن يعذب عليها كلها وعلى بعضها، وأن يقبل الصالح كله، وأن يرد بعضه، أشار إلى ذلك بالجار فقال تعالى: {من بعدها} أي هذه الأفعال الصالحة الواقعة بعد تلك الفاسدة وهي الفتنة {لغفور} أي بليغ المحو للذنوب {رحيم} أي بليغ الإكرام فهو يغفر لهم ويرحمهم.

.تفسير الآيات (111- 113):

{يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (111) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (113)}
ولما تقدم كثير من التحذير والتبشير، وتقدم أنه لا يؤذن للذين كفروا ولا هم يستعتبون، وختم ذلك بانحصار الخسار في الكفار، بيَّن اليوم الذي تظهر فيه تلك الآثار، ووصفه بغير الوصف المقدم باعتبار المواقف، فقال تعالى مبدلاً من {يوم نبعث من كل أمة شهيداً} {يوم تأتي} أي فيه {كل نفس} أي إنسان وإن عظم جرمها {تجادل} أي تعتذر، وعبر بالمجادلة إفهاماً للذفع بأقصى ما تقدر عليه، وأظهر في قوله: {عن نفسها} أي ذاتها بمفردها لا يهمها غير ذلك لما يوهم الإضمار من أن كل أحد يجادل عن جميع الأنفس. ولما كان مطلق الجزاء مخوفاً مقلقاً، بني للمفعول قوله: {وتوفَّى كل نفس} صالحة وغير صالحة {ما عملت} أي جزاء من جنسه {وهم} ولما كان المرهوب مطلق الظلم، وكان البناء للمفعول أبلغ جزاء في نفيه قال تعالى: {لا يظلمون} أي لا يتجدد عليهم ظلم لا ظاهراً ولا باطناً، ليعلم بإبدال {يوم} من ذلك المتقدم أن الخسارة بإقامة الحق عليهم لا بمجرد إسكاتهم.
ولما عقب سبحانه ما ضرب سابقاً من الأمثال بقوله تعالى: {ورزقكم من الطيبات} وتلاه بذكر الساعة بقوله تعالى: {وما أمر الساعة} إلى آخره، واستمر فيما مضت مناسباته آخذاً بعضه بحجز بعض حتى ختم بالساعة وآمن من الظلم فيها، وبين أن الأعمال هناك هي مناط الجزاء، عطف على ما مضى- من الأمثال المفروضة المقدرة المرغبة- مثلاً محسوساً موجوداً، مبيناً أن الأعمال في هذه الدار أيضاً مناط الجزاء، مرهباً من المعاجلة فيها بسوط من العذاب فقال تعالى: {وضرب الله} أي الملك المحيط بكل شيء قدرة وعلماً لكم أيها المعاندون! {مثلاً قرية} من قرى الماضين التي تعرفونها كقرية هود أو صالح أو لوط أو شعيب عليهم السلام كان حالها كحالهم، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنها مكة {كانت ءامنة} أي ذات أمن يأمن به أهلها في زمن الخوف {مطمئنة} أي تارة بأهلها، لا يحتاجون فيها إلى نجعة وانتقال بسبب زيادة الأمن بكثرة العدد وقوة المدد، وكف الله الناس عنها، ووجود ما يحتاج إليه أهلها {يأتيها} أي على سبيل التجدد والاستمرار {رزقها رغداً} أي واسعاً طيباً {من كل مكان} براً وبحراً بتيسير الله تعالى لهم ذلك.
ولما كانت السعة تجر إلى البطر غالباً، نبه تعالى لهم ذلك بالفاء فقال تعالى: {فكفرت} ونبه سبحانه على سعة فضله بجمع القلة الدال على أن كثرة فضلة عليهم تافهة بالنسبة إلى ما عنده سبحانه وتعالى فقال: {بأنعم الله} أي الذي له الكمال كله كما كفرتم {فأذاقها الله} أي المحيط بكل شيئ قدرة وعلماً {لباس الجوع} بعد رغد العيش {والخوف} بعد الأمن والطمأنينة حتى صار لهم ذلك بشموله لهم لباساً، وبشدة عركهم ذواقاً، فكأن النظر إلى المستعار له، وهو هنا أبلغ لدلالته على الإحاطة والذوق، ولو نظر إلى المستعار لقال: فكساها، فكان يفوت الذوق، وذلك كما نظر إليه كثيّر في قوله:
غمر الرداء إذا تبسم ضاحكاً ** غلقت لضحكته رقاب المال

استعار الرداء للمعروف لأنه يصون صون الرداء لما يلقى عليه، ووصفه بالغمر الذي هو وصف المعروف والنوال، لا وصف الرداء الذي هو المستعار، ولو نظر إليه لوصفه بالسعة أو الطول مثلاً كما نظر إليه من قال ذاكراً السيف الذي يصون به الإنسان نفسه:
ينازعني ردائي عبد عمرو ** رويدك يا أخا بكر بن عمرو

لي الشطر الذي ملكت يميني ** ودونك فاعتجر منه بشطر

فنظر إلى المستعار وهو الرداء في لفظ الاعتجار، فبانت فضيحة ابن الراوندي في زندقته إذ قال لابن الأعرابي: هل يذاق اللباس؟ فقال له: لا بأس يا أيها النسناس! هب أن محمداً ما كان نبياً، أما كان عربياً؟ {بما كانوا} أي بجبلاتهم {يصنعون} من الكفر والكبر، قد مرنوا عليه بكثرة المداومة مرون الإنسان على صنعته.
ولما كان تعالى لا يعذب حتى يبعث رسولاً، حقق ذلك بقوله تعالى: {ولقد جاءهم} أي أهل هذه القرية {رسول منهم} كما وقع لكم {فكذبوه} كما فعلتم {فأخذهم العذاب} كما سمعتم، وإن كان المراد بها مكة فالمراد به الجوع الذي دعا عليهم به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما قال «اللهم أعني بسبع كسبع يوسف» وأما الخوف فما كان من جهاد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لهم {وهم ظالمون} أي عريقون في وضع الأشياء في غير مواضعها، لأنهم استمروا على كفرهم مع الجوع، وسألوا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الإغاثة فدعا لهم.

.تفسير الآيات (114- 115):

{فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (114) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (115)}
ولما تقرر بما مضى من أدلة التوحيد، فثبت ثباتاً لا يتطرق إليه شك أن الله هو الإله وحده كما أنه هو الرازق وحده، ونبههم على دقائق في تقديره للأرزاق تدل على عظمته وشمول علمه وقدرته واختياره، فثبت أنهم ظالمون فيما جعلوا للأصنام من رزقه، وأنه ليس لأحد أن يتحرك إلا بأمره سبحانه، وختم ذلك بهذا المثل المحذر من كفران النعم، عقبه بقوله تعالى صاداً لهم عن أفعال الجاهلية: {فكلوا} أي فتسبب عن جميع ما مضى أن يقال لهم: كلوا {مما رزقكم الله} أي الذي له الجلال والجمال مما عده لكم في هذه السورة وغيرها، حال كونه {حلالاً طيباً} أي لا شبهة فيه ولا مانع بوجه {واشكروا نعمت الله} أي الذي له صفات الكمال حذراً من أن يحل بكم ما أحل بالقرية الممثل بها {إن كنتم إياه} أي وحده {تعبدون} كما اقتضته هذه الأدلة، لأن وحده هو الذي يرزقكم وإلا عاجلكم بالعقوبة لأنه ليس بعد العناد عن البيان إلا الانتقام، فصار الكلام في الرزق والتقريع على عدم الشكر مكتنفاً الأمثال قبل وبعد.
ولما كان الإذن إنما هو في بعض الرزق في الحال المذكور فاحتيج إلى معرفته، وكانت المباحات أكثر من المحظورات، حصر القليل ليعلم منه الكثير، لأن كل ضدين معروفين إجمالاً عُين أحدهما، عرف من تعيينه الآخر، فقال تعالى: {إنما حرم} أي الله الذي لا أمر لأحد معه {عليكم الميتة} التي بينت على لسان الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنها ميتة وإن ذكيت {والدم ولحم الخنزير} خصه بالذكر بعد دخوله في الميتة لاتخاذ النصارى أكله كالدين {وما أهل} أي بأيّ إهلال كان من أي مهل كان. ولما كان مقصود السورة لبيان الكمال، كان تقديم غيره لتقبيح حال المعتنى به أولى فقال تعالى: {لغير الله} أي الملك الأعظم الذي لا ملك سواه {به}.
ولما كان الإنسان قد يضطر إلى أكل كلّ ما يمكن أكله، بين لهم أنه رفق بهم فأباح لهم سد الرمق من الحرام فقال تعالى: {فمن اضطر} أي كيفما وقع له الاضطرار {غير باغ} على مضطر آخر {ولا عاد} سدَّ الرمق.
ولما كان الإذن في الأكل من هذه الأشياء حال الضرورة إنما هو رخصة، وكانت الشهوة داعية إلى ما فوق المأذون فيه قال تعالى: {فإن الله} أي المختص بصفات الكمال، بسبب تناوله منها على ما حده {غفور رحيم} فمن زاد على ما أذن له فيه فهو جدير بالانتقام.